وهبة الزحيلي

216

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فإنا آتيناك من الكتاب مثل ما آتيناه منه ، فليس ذلك ببدع لم يكن قط حتى ترتاب فيه . ويحتمل : من لقاء موسى الكتاب أو من لقائك موسى ، وقد التقيا ليلة الإسراء ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « رأيت ليلة أسري بي موسى عليه السلام رجلا آدم طوالا جعدا ، كأنه من رجال شنوءة » . وَجَعَلْناهُ أي الكتاب المنزل على موسى . هُدىً هاديا . يَهْدُونَ الناس إلى ما فيه من الحكم والأحكام . بِأَمْرِنا إياهم ، أو بتوفيقنا لهم . لَمَّا صَبَرُوا أي لصبرهم على طاعة دينهم وعلى البلاء في الدنيا . وَكانُوا بِآياتِنا الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا . يُوقِنُونَ يصدقون ، لإمعانهم النظر فيها . يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يقضي ، فيميز الحق من الباطل والمحق من المبطل . يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين . المناسبة : بعد تقرير الأصول الثلاثة في أول السورة وهي التوحيد والبعث والرسالة ، عاد في آخرها إلى الأصل الثالث مرة أخرى وهو الرسالة المذكورة أولا في قوله تعالى : لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ . واختار موسى لقربه من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ووجود من كان على دينه ، إلزاما لهم ، وإنما لم يختر ذكر عيسى عليه السلام ؛ لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته . وأما النصارى ، فكانوا يعترفون بنبوة موسى عليه السلام ، فذكر المجمع عليه . التفسير والبيان : لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ، فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ ، وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ يخبر اللّه تعالى عبده ورسوله محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه آتى موسى عليه السلام التوراة ، فلا تكن يا محمد في شك من لقائك الكتاب ، فإنا آتيناك القرآن كما آتينا موسى التوراة ، فأنت لست ببدع من الرسل قط ، كما قال تعالى : قُلْ : ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [ الأحقاف 46 / 9 ] والصلة قائمة بين الرسالتين والمهمة واحدة ، فإن التوراة جعل أيضا هاديا ومرشدا لبني إسرائيل ، كما أنك مرشد لأمتك ، كما قال تعالى : وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ ، وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا [ الإسراء 17 / 2 ] .